الشيخ محمد هادي معرفة
247
تلخيص التمهيد
عليه الكلمة من المعنى الوضعيّ اللغوي : الأكول ، الجافي ، الغليظ . تلك لفظة دلّت أجراسها على معناها قبل أن تدلّ أوضاعها . ومن ثم فقد تعقّبها ما يناسبها « زنيم » : اللئيم ، الدعيّ ، الذي لا يبالي بما قال ولا بما قيل فيه . « وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ » « 1 » دلّت لفظة الزحزحة على تلك الحركة التدرّجية قبل المعنى . « فَكُبْكِبُوا فِيها » « 2 » كأنّ جرس اللفظة أدلّ على تعاقب الكبو في النار ، هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون . قال سيّد قطب : وحقيقةً أنّ وضع هاتين اللفظتين اللغوي هو الذي يمنحهما هذه الصور وليس هو استعمال القرآن الخاصّ لهما ، كما هو الشأن في الكلمات الماضية ، التي اشتقّها خاصّة أو استعملها أول مرّة ، ولكن اختيارهما في مكانيهما يحسب بلا شكّ في بلاغة التعبير . « لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ » « 3 » وما أدراك ما الضريع ؟ ! إنّه طعام « لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ » لا يسدّ جوعة ولا يمنع نهماً ، سوى مضغة مضنية يلوكها الآكل في تلوٍّ وإرهاق ، وتَعب ونَصب وضمور بطن ، يلحقها ضراعة وتعاسة ومسكنة مزرية . قال الراغب : هو نبات أحمر منتن الريح ، يلفظه البحر . فإذا اقتاته الإبل أضنّته تخمتُه وأثقلته وخامتُه . قلت : واللفظة بجرسها المرهق الثقيل « 4 » دلّت على ضراعة حالة آكله قبل دلالة المعنى الوضعي . « وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ » « 5 » وما أدراك ما الغسلين ؟ هي غسالة أقذار الأبدان ، ومن ثَم فهي حثالة قيح وصديد تسيل من قروح أبدان أهل النار وجروحها . وفي تركيب اللفظة ما ينبئعن هذا الاستقذار ، يمجّها السمع ويتنفّر منها الطبع .
--> ( 1 ) . البقرة : 96 . ( 2 ) . الشعراء : 94 . ( 3 ) . الغاشية : 6 . ( 4 ) . ضاد حرف إجهار رخو مطبق ، ومستعل مصمت . وراء حرف إجهار رخو منخفض ، ومنذلق متكرر . ياء حرف لين منخفض . عين منفتح مستعل . ( 5 ) . الحاقة : 36 .